Digital Clock and Date

الجمعة، سبتمبر 11، 2015

مفهوم الإنحطاط

   لا يمكن سبرُ مفهوم "الانحطاط" دون المرور بالفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، ذلك الذي نظر لمفهوم مهم، يعد بمثابة قطب الرحى لكثير من أعماله، ألا وهو "إرادة القوة". تلك القوة التي يريد لها أن تكون هي الحاكمة على تصرفات الفرد وتفكيره وعلاقاته مع المحيط المجتمعي.
القوة هنا لا تأتي من أجل أن تجعل الفرد "طاغية" أو "مستبداً"، وإنما بغية انتشاله من حال الضعف الذي يقود تلقائيا إلى "الطغيان" و"الثأر"، لأن الإنسان الضعيف هو ذلك الذي يبحث عن الثأر، ليشفي ما بداخله من ألم، ويستر ما به من ضعف، ويواري انعدام القيمة الأخلاقية لديه، ف"الذي يتألم يصف لألمه عسل الثأر".
الأقوياء لا يحتاجون إلى "الثأر" ولا يعنيهم الاستحواذ على الآخرين أو تسييرهم في فلكهم كقطيع لا يملك ناصية نفسه. فالقوي واثق من ذاته، مطمئن إلى علمه، راكنٌ إلى حكمته وتجربته الحياتية، ممتلكٌ لقيم أخلاقية عليا، ذو بصيرة تجعله لا يسعى لأن يشبع غرائزه بطريقة دونية، وإنما هو في شغل مستمر وسير نحو "الأعالي"، ليكون هنالك عند النبع الصافي، وحيداً، إلا من زرقة السماء والريح الباردة التي توقد عقله وروحه.
دون هذه الإرادة، سيصبح الإنسان تلقائياً في خانة "الانحطاط"، الذي هو من صفات المرضى والضعفاء وعديمي القيمة. وهو الانحطاط الذي يكتسب خطورة عندما يتجاوز كونه سلوكاً فردياً، ويغدو ظاهرة اجتماعية، بل، يصبح قيمة يسعى الكثير إلى تمثلها.
جان غرانييه، وفي كتابه الأثير عن نيتشه، يشرح مفهوم "الانحطاط"، مبينا أنه "طالما بقي الانحطاط محصوراً في بعض الطبقات الاجتماعية وبعض مناطق الكرة الأرضية، لا يشكل خطراً على الحضارة البشرية. ولكنه يغدو كارثة رهيبة عندما يجتاح جميع الطبقات والمؤسسات والشعوب، حتى يمتزج في النهاية مع فكرة الإنسانية نفسها".
حديث غرانييه يشير إلى عظم خطر "غزو العدمية"، والتي سببها امتزاج الانحطاط ب"الإنسانية"، أي أن يغدو هذا الضعف وكأنه لازمة من لوازم الوجود البشري، وصفة رئيسة لا تتحقق كينونة الإنسان دونها. وهي الخدعة المفهومية التي يتلبسها الضعفاء بغواية ماكرة من الثعالب الراغبة في اقتناص الغنائم والارتواء من رائحة الثأر.
من هنا، فإنه عندما يتم التعايش مع الانحطاط بوصفه حالاً طبيعية، يحدث تدريجياً انقلاب في المفاهيم والقيم والتوازنات الاجتماعية، وذلك نتيجة ل"فوضى الغرائز" التي تحل القيم الدُنيا مكان القيم العُليا، وحينها تبدأ"هيمنة الضعفاء تدريجياً على الأقوياء".
هذه الهيمنة تأتي نتيجة ما يعتبره نيتشه "التربية المنحطة المستترة تحت لواء تحسين الخلق البشري التي تعمل فعلاً على تدجينه"، من هنا يصبح الإنسان "ضعيفاً نحو نفسه والآخرين، ساقطاً في بؤرة المهانة والضعة، واعياً بضعفه الآثم".
هذا الوعي ب"الضعف" لا يدفع الإنسان نحو الخروج منه، أو التخلص من تبعاته، وإنما يوماً بعد آخر يتواءم معه. فهو يخشى من الأكلاف الباهظة التي عليه أن يؤديها إذا أراد أن يكون قوياً.
طريقان لا ثالث لهما بنظر نيتشه، إما "إرادة القوة" أو "الانحطاط"، فأيهما سنختار؟